ابن الجوزي

266

صفة الصفوة

فعذّبونا وفتنونا على ديننا ليردّونا إلى عبادة الأوثان وأن نستحلّ ما كنا نستحل من الخبائث ، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين قومنا خرجنا إلى بلدك فاخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك . قالت : فقال له النجاشي : هل معك مما جاء به عن اللّه عزّ وجل شيء ؟ قالت : فقال له جعفر : نعم . قال : فاقرأه علي . فقرأ عليه صدرا من ( كهيعص ) فبكى واللّه النجاشيّ حتى أخضل لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم . ثم قال النجاشي : إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة ، انطلقا فو اللّه لا أسلمهم إليكم أبدا . قالت : فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص : واللّه لآتينه غدا أعيبهم عنده بما استأصل به خضراءهم « 1 » . فقال له عبد اللّه بن أبي ربيعة وكان أتقى الرجلين فينا : لا تفعل فإن لهم أرحاما . فقال : واللّه لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد . قالت : ثم غدا عليه من الغد فقال له : أيها الملك إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه . قالت : فأرسل إليهم يسألهم عنه . قالت : ولم ينزل بنا مثلها . فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض : ما ذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه ؟ قالوا : نقول واللّه فيه ما قال فيه اللّه عزّ وجل وما جاء به نبينا ، كائن في ذلك ما هو كائن . فلما دخلوا عليه قال لهم : ما تقولون في عيسى ابن مريم ؟ قال له جعفر بن أبي طالب : نقول فيه الذي جاء به نبينا صلّى اللّه عليه وسلم ، هو عبد اللّه وروحه ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول . قال : فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ منها عودا ثم قال : ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود . ثم قال : اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي - والسّيوم : الآمنون - من سبّكم غرم ، ثم من سبّكم غرم ، ثم من سبكم غرم ، ردّوا عليهما هداياهما فلا حاجة لنا بها ، فو اللّه ما أخذ اللّه مني الرشوة حين ردّ

--> ( 1 ) أي أصلهم .